أبي حيان التوحيدي

7

الإمتاع والمؤانسة

والأفاقين ، حتى كان لا يخالط إلا الغرباء والمجتدين الأدنياء الأردياء ، وما هذا إلا لشعوره بأنه واحد منهم ، إذ كان يرتد إليهم ، مهما زجره عن ذلك زاجر من كبار القوم » « 1 » . وأصحاب هذا الرأي يستنتجون أنه من المرجح أن يكون أبو حيان فارسي الأصل ، مع احتمال دخول أجناس أخرى في تكوينه العنصريّ . وأما القائلون بعربيته ، فإنهم يؤكدون أنه ليس في مؤلفاته ما يشير إلى فارسيته ، فضلا عن أنه لو كان يمت إلى فارس بصلة النسب ، لباهى بذلك في عصر كانت الدولة فيه للفرس ، وكانت صلته بأمرائهم وحكامهم في القرن الرابع أمله وهدفه . على أنه يلاحظ أن أبا حيان قد زار بلاد الفرس ، وكتب رسالة « في العلوم » وجّه فيها الحديث إلى الفارسيّين فقال : « أطال اللّه بقاءكم . . . وجعل حظ الغريب السلامة بينكم ، إذا فاتته الغنيمة منكم . . . وبعد فإني لم أرد بلادكم من العراق مباهيا لكم ، ولا حضرت مجالسكم طاعنا فيكم ، ولا تأخرت عنكم متطاولا عليكم . . . الخ » . وواضح من هذه العبارات أن أبا حيان كان يعتبر نفسه غريبا في بلاد الفرس ، ولو أنه كان فارسي الأصل ، لانتهز هذه الفرصة للتقرب من الفارسيّين أو التودّد إليهم . وعندما وجه الوزير ابن العارض الشيرازي إلى أبي حيان السؤال التالي : « أتفضل العرب على العجم ، أم العجم على العرب ؟ » ، فيروي التوحيدي للوزير حديثا مسهبا لابن المقفع - وكان فارسيا أصيلا - يقول فيه إن العرب « أعقل الأمم ، لصحة الفطرة ، واعتدال البنية ، وصواب الفكر ، وذكاء الفهم » ! وعلى الرغم من أن الوزير يعلّق على هذه الرواية بقوله : « ما أحسن ما قال ابن المقفع ! وما أحسن ما قصصت وما أتيت به ! » إلا أننا نرى أبا حيان يستطرد فيقول : « إن لكل أمة فضائل ورذائل ، ولكل قوم محاسن ومساوئ ، ولكل طائفة من الناس في صناعتها وحلّها وعقدها كمال وتقصير » . والتوحيدي يريد بهذه العبارة أن يطمئن الوزير إلى قلة احتفاله بالفوارق العنصرية والخلافات الجنسية ، فلا فرق بين فارسيّ وعربيّ ، ولا موضع لتفضيل إنسان على آخر لأصله أو نشأته أو وراثته ! والتوحيدي يضيف إلى هذا أن الفضائل المأثورة ، التي تنسب في العادة إلى كل أمة من الأمم المشهورة « ليست لكل واحد من أفرادها ، بل هي الشائعة بينها ، ومن جملتها من هو عار من جميعها ، وموسوم بأضدادها . . . ( بدليل أن ) الفرس لا تخلو من جاهل بالسياسة ، خال من الأدب ، داخل في الرعاع والهمج ، كما أن العرب لا تخلو من جبان جاهل طياش بخيل عييّ . . . » . مولده : تبعا لما ذكره عن نفسه ، فإن مولده يجب أن يكون بين سنتي 310 / 922 م و 320 / 932 م في شيراز أو نيسابور أو واسط ، وانتقل في تاريخ مجهول لنا إلى بغداد .

--> ( 1 ) عبد الرحمن بدوي ، مقدمته على كتاب « الإشارات الإلهية » لأبي حيان التوحيدي .